محمد عزة دروزة

56

التفسير الحديث

أبو بكر : لقد علمت أنه سيكون « ( 1 ) . ولم تخرج روايات المفسرين الآخرين عن هذا ( 2 ) ورواية الطبرسي عن مجاهد تقتضي أن تكون الآية الأولى نزلت لحدتها وقد توقف الطبري في ذلك وتوقفه في محلَّه ، لأن الآية الأولى هي كما يبدو استهلال أو مقدمة لما بعدها . ومضمون الآيات والروايات معا قد يسوغ القول إن الآيات مدنيّة . ومع أنها لا تحتوي الإذن بالقتال . والآية الأولى صريحة في أن المسلمين كانوا يقاتلون ، في حين أننا لم نطلع على رواية ما تذكر أنه كان عدوان حربي جماعي من مشركي قريش على المسلمين حينما كانوا في مكة ، أو أنهم بدأوا بحركات هجومية على المسلمين بعد خروجهم من مكة . فإما أن تكون الآية عنت بهذا التعبير ما كان ينال ضعفاء المسلمين في مكة من عدوان وأذى فردي يصل أحيانا إلى إزهاق الروح ، وإما أن يكون المشركون قد اعتدوا على فريق من المسلمين عدوانا حربيا بعد الهجرة لم يرد بيانه في الروايات . وفي هذه السورة آية تنوّه بالذين هاجروا في سبيل اللَّه ثم ماتوا أو قتلوا . واحتمال مدنية الآية وتبكير نزولها قويان ، فمن المحتمل بالتبعية أن تكون قد تضمنت إشارة ما إلى مثل ذلك العدوان . وإذا صحّ ترجيحنا بأن هذه الآيات مدنية فتكون قد وضعت في السياق الذي وضعت فيه بمثابة استطراد آخر لذكر مواقف الكفار بعد الهجرة بمناسبة ذكر مواقفهم قبلها . ومع ما قلناه من ترجيح مدنية الآيات ، فإنّ من المحتمل أن تكون مكية تبعا لاحتمال مكية السورة جميعها . وفي هذه الحالة يكون ما احتوته من تقرير مظلومية المسلمين في ما يقع عليهم من أذى الكفار لهم ومدافعة اللَّه عنهم ، هو تقرير تطميني وتثبيتي لهم معا ، وتكون الإشارة إلى إخراجهم من ديارهم عنت هجرتهم

--> ( 1 ) التاج ج 4 ص 161 . ( 2 ) انظر تفسير ابن كثير والبغوي والخازن والزمخشري والطبرسي .